يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

179

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

وكانت الحيرة كذلك ملتقى للثقافة الفارسية والعربية ومنتدى واسعا للأدب والشعر . . . يظلّلها ألوان من الحضارة والتقاليد الفارسية وكانت النصرانية سائدة فيها كما كان أئمة الشعراء يفدون إليها لينعموا بجوائز المناذرة وصلاتهم السّنيّة وكان ممّن قصد إليها النابغة والأعشى وعلقمة وحسّان وسواهم . كما كان تنقّل عديّ بين البلاد الفارسية سببا في تنوّع ثقافته ، وسعة معارفه ؛ وتعدّد مشاهده ، وكثرة تجاربه ، وتباين البيئات التي عاش فيها . حياته : انتقل عديّ من الحيرة إلى المدائن حيث كان يعمل كما ذكرنا في ديوان كسرى ؛ يؤذن له عليه في الخاصّة ، وهو معجب به ، قريب منه ، كما أصبح له نفوذه عند أمراء الحيرة ، فعلا له بذاك صيت عظيم ، وذكر كريم . وكانت إقامته الغالبة في المدائن عاصمة كسرى فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله مع أهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وكثيرا ما كان ينزل البادية قريبا من الحيرة . وأرسله كسرى رسولا له إلى إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وأكرمه القيصر وطاف به في أرجاء مملكته الواسعة ؛ وكان من البلاد التي زارها في هذه الرحلة دمشق ويؤثر له فيها قصيدة قالها وكانت فيما يروى أول شعر نظمه ، ومن هذه القصيدة : [ الخفيف ] ربّ دار بأسفل الجزع من دو * مة أشهى إليّ من جيرون ( 1 ) وندامى لا يفرحون بما نا * لوا ولا يرهبون صرف المنون وقدم عديّ المدائن على كسرى بهدية قيصر ، وبلغه خبر موت والده أثناء رحلته فاستأذن كسرى في زيارة أهله بالحيرة فتلقّاه ملكها في وجوه الناس يعزونه . وتزوّج عديّ هندا بنت النعمان بن المنذر ، وكانت من أجمل نساء أهلها وزمانها ، وكان لعديّ فضل في تولّي النعمان عرش الحيرة بعد المنذر ، فعظمت منزلة عديّ في دولة المناذرة ، وخاصّة أن النعمان ربّي على يد أستاذه عديّ . ثم وشى الوشاة به إلى النعمان فحبسه حتى مات في حبسه .

--> ( 1 ) دومة : قرية من قرى غوطة دمشق ، واسم لموضع قريب من الكوفة والحيرة .